فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

ما ذكروه بقولهم : * ( وأتيناك بالحق ) * قال الكلبي : بالعذاب ، وقيل باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم ؛ * ( وإنا لصادقون ) * . قوله تعالى * ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الاَْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ) * قرىء * ( فأسر ) * بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى . وروى صاحب الكشاف عن صاحب الإقليد فسر * ( من ) * السير والقطع آخر الليل . قال الشاعر : افتحي الباب وانظري في النجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم وقوله : * ( واتبع أدبارهم ) * معناه : اتبع آثار بناتك وأهلك . وقوله : * ( ولا يلتفت منكم أحد ) * الفائدة فيه أشياء : أحدها : لئلا يتخلف منكم أحد فينا له العذاب . وثانيها : لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء . وثالثها : معناه الإسراع وترك الاهتمام لما خلف وراءه كما تقول : امض لشأنك ولا تعرج على شيء . ورابعها : لو بقي منه متاع في ذلك الموضع ، فلا يرجعن بسببه البتة . وقوله : * ( وامضوا حيث تؤمرون ) * قال ابن عباس : يعني الشام . قال المفضل : حيث يقول لكم جبريل . وذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط . وقوله : * ( وقضينا إليه ) * عدى قضينا بإلى ، لأنه ضمن معنى أوحينا ، كأنه قيل : وأوحيناه إليه مقضياً مبتوتاً ، ونظيره قوله تعالى : * ( وقضينا إلى بني إسرائيل ) * ( الإسراء : 4 ) وقوله ؛ * ( ثم اقضوا إلي ) * ( يونس : 71 ) ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت بقوله : * ( أن دابر هؤلاء مقطوع ) * وفي إبهامه أولاً ، وتفسيره ثانياً تفخيم للأمر وتعظيم له . وقرأ الأعمش * ( إن ) * بالكسر على الاستئناف كان قائلاً قال أخبرنا عن ذلك الأمر ، فقال : إن دابر هؤلاء ، وفي قراءة ابن مسعود . وقلنا : * ( إن دابر هؤلاء ) * ودابرهم آخرهم ، يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله : * ( مصبحين ) * أي حال ظهور الصبح .